صناعة كراهية العرب في هوليوود

كيف يرسم الإعلام صورة نمطية لشعب بأكمله

الاسلاموفوبيا

العرب "المتأمركون"؟ .

 

صناعة كراهية العرب في هوليوود

           فن الكراهية صناعة سينمائية أمريكية معترف بها عالميا ولها أصولها وقوانينها وآلياتها وتدعمها ميزانيات ضخمة وتقنيات متطورة وطاقات فنية مبدعة.

ففي كل مراحل التاريخ الأمريكي -على تنوعها- كانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تلجأ إلى صنّاع السينما لإنتاج أفلام تدعم السياسة الخارجية الأمريكية وتمهد الرأي العام لضرباتها غير الإنسانية تجاه شعوب أخرى.

وتم اعتماد هذه السياسة رسمياً للترفيه عن الجنود الأمريكان قبل كل عملية عسكرية خارج حدود الوطن، وذلك من خلال عروض سينمائية منتظمة ومكثفة تصور لهم الأعداء على أنهم صراصير حقيرة أو حشرات ضارة أو فئران تجلب الطاعون، وهي رسالة واضحة تقول للجندي الأمريكي: (إن عدوك ليس بشراً مثلك بل هو شيء ضار لابد من تدميره، فلا تتردد في القتل، ومهما فعلت... لا تشعر بالذنب).

ولقد كان للعرب والمسلمين نصيب الأسد في صناعة الكراهية، فلقد حرصت هوليوود دائماً على أن تضع العرب في قالب ثابت للشر والعنف والتخلف والجهل والشراهة المفرطة في الملذات والرذائل.

فصورة العربي على الشاشة الفضية لهوليوود لن تخرج عن واحدة من هذه الصور النمطية: صورة أعرابي من البدو الرحل وبجواره ناقة وخيمة ومن حوله الصحراء الجرداء، أو صورة العربي المنغمس في اللهو والملذات والمجون وتعاطي الخمر، أو صورة العربي المتجرد من الحضارة وآداب السلوك في الطريق العام وفي معاملة الآخرين وفي اتباع آداب الطعام والنظافة، أو صورة المسلم المتطرف المتشدد الذي يسوق خلفه زمرة من الحريم المتشحات بالسواد، أو صورة العربي الأبله المندهش أو المنبهر دائماً بالحضارة الغربية، أما أكثر الصور شيوعاً فهي صورة الإرهابي المجرم مختطف الطائرات و الحافلات ومفجر المباني وقاتل الأبرياء.

الجديد في هذا الموضوع هو ذاك الكتاب المهم الذي صدر حديثاً لأحد خبراء الإعلام في أمريكا ويدعى جاك شاهين وهو أمريكي من أصل عربي عكف على دراسة وتحليل صورة العرب والمسلمين في أعين الغرب من خلال النمط السائد الذي تقدمه هوليوود، واستغرقت الدراسة عشرين عاماً كاملة استطاع خلالها أن يستعرض كل الأفلام التي تناولت العرب والمسلمين منذ عام 1896 وبلغت حصيلة الأفلام 900 فيلم أميركي.

واستخلص شاهين من دراسته أن هوليوود تتعمد أن تقول للمشاهد: (إن العرب قوم سوء بكل ما تعنيه هذه الكلمة من إيحاءات سلبية).

ويتعجب شاهين من حقائق كثيرة تكشفت له أثناء البحث الطويل، عندما ثبت له أن وزارة الدفاع والجيش والبحرية والحرس الوطني الأمريكي، كلها جهات حكومية تحرص على وضع كل عدتها وعتادها تحت تصرف منتجي هوليوود، لإنتاج أفلام جماهيرية قوية ومؤثرة هدفها تمجيد انتصار أميركا على أنماط الشر العربي!.

كما أن أفلاماً مثل (قواعد اللعبة) عام 2000، و (أكاذيب حقيقية) عام 1994، و (القرارات النافذة) عام 1996، و (ضربة الحرية) 1998 ساهمت المخابرات الأميركية (إف بي آي) مباشرة بدعم منتجي هذه الأفلام، وكذلك في فيلم (الحصار) عام 1998 والذي تدور قصته حول قيام أمريكيين من أصول عربية بهجوم مسلح على مدينة (مانهاتن) الأمريكية.

وعلى مدى عقود من الزمان استطاعت السينما الإسرائيلية وأعوانها داخل هوليوود إنتاج عشرات الأفلام التي تدور حول فكرة واحدة وهي: (إن نهاية أمريكا ستكون على يد العرب مثال على ذلك فيلم (مطلوب حياً أو ميتاً) وفيلم (قوة الدلتا) وكلاهما إنتاج عام 1986م).

فهناك أفلام صورت عرباً يقومون بعمليات تخريب في نيويورك ولوس أنجلوس، وأخرى صورتهم يفجرون مبان هامة في واشنطن، وأخرى تدور حول عرب يختطفون طلبة مدارس من (إنديانا).

والصورة تنحصر دائماً في موجات من الإرهاب المسلح وخطف الرهائن وقتل المدنيين والاغتصاب والتدمير، وتكون بعض المشاهد مصحوبة بصيحات الجهاد (الله أكبر) أو بصورة مئذنة أو بصوت آذان، أو صورة للكعبة المشرفة، المهم تشويه أي رمز إسلامي!!.

يبقى الثابت فيما تقدمه هوليوود من فنون وإبداعات، إن على صورة العرب والمسلمين أن تظل راسخة في ذهن المشاهد على أنهم أشرار وأن كل عربي إرهابي وكل مسلم متطرف.

هناك 900 فيلم صنفها جاك شاهين على أنها محرضة على كراهية العرب والمسلمين، وكلما أراد أن يختار أحدهما ليحتل لقب الأسوأ يفاجأ بأن هناك ما هو أسوأ.

في كتاب (العرب قوم سوء) يؤكد مؤلفه جاك شاهين على انه في بداية سنوات بحثه كان يتصور أن تشويه صورة العرب والرموز الإسلامية كان بسبب الجهل، لكنه اليوم وبعد عشرين عاماً من البحث يجزم بشكل قاطع بأنها صناعة مغرضة تعمل على أسس علمية ونفسية وسياسية دقيقة ولديها من يعلم جيداً الثقافة العربية واللغة والتاريخ والرموز الدينية وهي تضرب بقوة وتضرب في مقتل.

صدر أخيراً الكتاب في الشهر الماضي تحت عنوان (العرب قوم سوء.. كيف استطاعت هوليوود تشويه أمة).

 

كيف يرسم الإعلام صورة نمطية لشعب بأكمله
الإسلام في الفكر الشعبي الأميركي: ملامح مشوهة تتجدد
إيمان شمص شقير

        في كانون الأول من عام 2000، شاركت وزملاء صحافيون من لبنان في دورة تدريبية على الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة نظمها المعهد الدولي للصحافة في واشنطن. وهي تسمية لأسلوب جديد من الصحافة يتوخى التعمق في استقصاء الخبر الصحفي ومصادره ومضمونه ومدى صدقيته وموضوعيته. ألحقت وزميل لي بإحدى كبريات الصحف في ولاية اوهايو الباردة. كانت الثلوج تغطي مدينة كليفلاند يوم التحقنا بالصحيفة المضيفة حيث استقبلنا صحافي مخضرم يعمل في قسم التحقيقات المحلية الاستقصائية. قال: "لا بد أنكما ترتجفان بردا كما دهشة لمنظر الثلج الأبيض. الأكيد أنكما لم تشهدا قبلا مثل هذا المنظر في الصحراء حيث تعيشان."
كانت الدهشة بادية على ملامحنا، ولكن ليس بالتأكيد بسبب منظر الثلج فهو يغطي جبال بلادنا لبنان في كل شتاء، بل لجهل الصحافي الأميركي بموطننا والصورة النمطية التي يحتفظ بها عن كل العرب " كسكان صحراء "، بل والأكثر من ذلك لاكتفائه بهذه الصورة ولا مبالاته بمعرفة اكثر مما يعرفه، وهو الصحافي "الاستقصائي"، عن بلد "تلميذين" يفترض به تدريبهما على أسلوب إعلامي ركيزته الأولى التعمق في استقصاء المعلومات سعيا لنبش الحقيقة.
انه نموذج، إن لم يكن "صورة نمطية" بالمعنى المستعار،عن ملايين الأميركيين الذين يحتفظون بصورة نمطية متماثلة عن العرب والمسلمين تطورت عبر السنين مبقية دوما على ملامح مشوهة تتجدد بحسب الظروف والاحداث.
الصورة النمطية للمسلمين والعرب في الثقافة الشعبية الأميركية: من صنعها؟ وما هي مقاييسها؟
         "أولئك الذين يروون القصص، يحكمون المجتمع أيضا" يقول الفيلسوف اليوناني أفلاطون في كتابه "الجمهورية" مؤكدا على سطوة القصص والروايات الخيالية في تكوين فكر المجتمع ومعتقداته. فكيف إذا كانت هذه القصص والروايات مصورة ومتحركة على شاشات ضخمة أو صغيرة يلعب أدوارها أشخاص حقيقيون فتصبح شبه حقيقية؟.
للسينما ومحطات التلفزيون الدور الرئيسي في تكوين الصورة النمطية للمسلمين والعرب لدى الرأي العام الأميركي. ويوثق أستاذ الإعلام في جامعة ايلينوي الجنوبية الأميركي اللبناني الأصل جاك شاهين في كتاب حديث له بعنوان:
Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies a People
سجلا حافلا لهوليود على مدى نحو مائة عام في ترسيخ صورة نمطية سلبية عن العرب والمسلمين أدى تكرارها والتشويه المطرد لملامحها إلى تصنيفهم في النهاية كالعدو رقم واحد للغرب.
حتى الثلاثينات كان العربي والمسلم يظهر على هذه الشاشات فارسا اسمر البشرة يمتطي حصانه وسط الصحراء يحلم بأميرته وينقل مشاهديه على بساط الريح،إلى بلاد ألف ليلة وليلة، وبلاد علاء الدين وسندباد وعلي بابا، ليحرر الفقير من سطوة الغني والمظلوم من فساد الحكام. وتجسد هذا الفارس في بعض الأفلام في ملامح اجمل ممثلي هوليود في تلك الفترة أمثال رودولف فالنتينو في الفيلم الصامت "
the sheikh "(1921) وغيرها من أفلام قليلة جدا يشير د. شاهين أنها لا تمثل سوى نسبة خمسة في المائة من مجمل إنتاج هوليود. إلا أنها كانت الأفضل ربما في تلك المرحلة مقارنة بالصور النمطية للمجوعات العرقية والدينية الأخرى، حيث كان الهندي الأحمر الرجل البدائي المتوحش همه انتزاع فروة رأس العدو، وكان اليهودي مرفوضا وترفع على واجهة المطاعم والمحال يافطة " ممنوع دخول الكلاب واليهود".No Dogs, No Jews. وكان الإيطالي رجل المافيا المحب للثأر، والأفريقي العبد الخنوع المطيع، والفرنسي الرجل الأناني المدعي.
في أوائل الثلاثينات سادت صورة كاريكاتورية عن العربي و المسلم فبدا كالمهرج في فيلم لوريل وهاردي “
beau hunks”(1931) ليصبح، ومع بداية سيطرة اليهود على هوليوود منذ منتصف الثلاثينات، ذلك " الأخر" المختلف المخيف التقاسيم المتعطش للدم الذي يميل إلى إرهاب الغربيين المتحضرين وخصوصا المسيحيين واليهود. فظهرت أولى صور المسلم والعربي الذي يخطف الطائرات ويهدد بنسفها مع فيلم "the black coin 1936 ثم كانت صورة المهاجر العربي المجرم المهدد لأمن أميركا في فيلم radio patrol 1937 ، وهما لمخرجين يهوديين. ثم كرت المسبحة.
ويشير اندريو دوودي"
Andrew Dowdy: The Film of the Fifties: the American State of Mind" إلى إنتاج هوليود بين الأربعينات والخمسينات اكثر من مائة فيلم أبرزت صورة كاريكاتورية وسلبية عن العرب والمسلمين تزامنت مع بروز الثروات النفطية. فكان العربي والمسلم "شيخ النفط" الذي يعيش في خيم في الصحراء في خلفيتها سيارات ليموزين وجمال ونساء متشحات بالسواد،أو يسوح في دول الغرب يبدد أمواله على النساء الشقراوات. ثم اصبح مع تنامي التيار الاشتراكي وتصاعد حركات التحرر العربية وخاصة في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الحليف للشيوعية العدو اللدود للغرب. وكان منذ قيام دولة إسرائيل ثم مع إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية " الفلسطيني الإرهابي"الذي يخطف الطائرات (في نحو 45 فيلما أهمها فيلم Exodus العام 1960الذي كان مؤثرا جدا في زيادة شعبية إسرائيل لدى الجمهور الأميركي).
في هذا الفيلم من بطولة بول نيومان والذي تجري أحداثه في فلسطين 1947، يصور العرب بأنهم شريرون مرتبطون بالنازية يرتكبون الفظائع في حق بعضهم البعض كما في حق اليهود. وفي مشهد من الفيلم يتلقى لاجئون يهود على متن الباخرة تحذيرا من أن مفتي القدس الذي كان في فترة الحرب ضيفا على هتلر في برلين التقى ممثلين عن دول عربية للتنسيق حول كيفية العمل ضد اليهود الفلسطينيين. ويصور الفيلم الإسرائيليين بأنهم أبطال " يعملون من اجل دولة يتساوى فيها الجميع".
أما في فيلم”
Prisoner in the middle” في العام 1974 فينضم البطل ديفيد جانسن إلى القوات الإسرائيلية لقتل "إرهابيين فلسطينيين".
منذ الثمانينات ومع قيام الدولة الإسلامية في إيران،استقرت الصورة على العربي والمسلم "الأصولي الإرهابي" الذي يرفع شعار " الموت لإسرائيل وأميركا وكل أعداء الإسلام"، ويستخدم الدين لتبرير لجوئه إلى أعمال العنف و الخطف والتفجير والسعي حتى إلى قتل الرئيس الأميركي.
live and die in L.A (1985) Hostages (1986)delta force (1986) (The siege (1998 من بطولة دنزل واشنطن، وهو الفيلم الذي اعتبر انه استبق أحداث 11 أيلول إذ يصور المهاجرين العرب والأميركيين العرب من طلاب جامعات وأساتذة كإرهابيين مسلمين يقضون على 700 نيويوركي ويفجرون مبنى الاف بي أي ويقتلون موظفي الدولة ويفخخون صالة مسرح. وفي مشهد من الفيلم يحتجز مسلمون عرب ركاب أوتوبيس رهائن. يرجوهم عميل للاف بي أي إطلاق الأطفال والمسنين لكنهم يفجرون الباص بمن فيه وتتناثر الجثث على الشاشة. ثم كان فيلم Rules of engagement(2000) الذي صنفه شاهين بأنه الفيلم الأكثر عنصرية ضد العرب والمسلمين. ويصور اليمنيين كإرهابيين يصرخون كالمجانين أمام السفارة الأميركية ضد أميركا يرشقون الحجارة ويقتلون جنود المار ينز الذين حاولوا إنقاذ المحتجزين داخل السفارة.
عوامل رسوخ الصورة النمطية وتجدد، بل تزايد ملامحها المشوهة
        يعزو بول فندلي عضو الكونغرس الأميركي السابق عن ولاية ايلينوي طيلة 22 عاما
( 1960-1982) في كتابه الأخير"لا سكوت بعد اليوم : مواجهة الصور المزيفة عن الإسلام في أميركا" (صدر في العام 2001) انتشار الأفكار النمطية المزيفة عن الإسلام في أميركا اكثر من غيرها من أي مكان اخر من العالم إلى جهل الأميركيين أساسا . ويقول أن" معظم الأميركيين لا يعرفون أي مسلم، لم يناقشوا يوما الإسلام مع أي شخص مطلع على هذا الدين ولم يقرؤا يوما آية واحدة من القرآن الكريم بل ولا أي كتاب عن الإسلام. وتنبع اغلب تصوراتهم عن الإسلام من الصور السلبية المزيفة التي تظهرها التقارير الأخبارية والأفلام والمسلسلات التلفزيونية والحوارات في الإذاعات والتلفزيون."
ويروي انه ومنذ طفولته وحتى خريف العمر استقرت صورة نمطية مضللة في ذهنه، " فقد كانت معلمة مدرسة الأحد المسيحية تقول لنا أن شعبا أميا بدائيا وميالا إلى العنف يعيش في مناطق صحراوية ويعبد إلها غريبا. كانت تسميهم "محمديين" وتواظب على تكرار قولها انهم ليسوا مثلنا". ويقول انه وبسبب إحجام المسلمين عن تصحيح هذه الصورة " اعتقدت أن المسيحية واليهودية مرتبطتان معا وتشكلان جبهة الغرب المتمدن والتقدمي على الخط الفاصل الذي يقف على جبهته الأخرى الإسلام الذي اعتبرته(خطأ) القوة المتخلفة والخطرة في الشرق العربي".
إلى جانب عامل الجهل الذي تكرسه مناهج دراسية خالية من أي إشارة لوجود الإسلام في العالم ، كما يقول فندلي، واهتمامات داخلية حصرا على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، يساهم عامل أخر في ترسيخ الصورة النمطية للمسلم والعربي في الفكر الشعبي الأميركي هو عامل اللامبالاة. فالأميركي مثلا لا يهتم مطلقا بما هو خارج اهتماماته الآنية الداخلية ولا يصوت على أساس سياسة خارجية. وهذا الأمر زاد من قوة اللوبي الإسرائيلي ليملأ هذا الفراغ الخارجي بصورة مشوهة عن العرب والمسلمين. يل إن هذه اللامبالاة كانت تحجب عن مسئوليهم حتى أي معرفة أو فضول لمعرفة ما يجري خارج إطار شؤونهم الداخلية ومصالحهم. وقد يكون المثال الأفضل حديث الرئيس بوش عن "الحروب الصليبية" في أعقاب اعتداءات 11 أيلول. هذا الحديث الذي، وبالرغم من إسراع بوش إلى التراجع عنه، لم يكشف فقط عن مدى جهله بالإسلام والعرب بل أكد، في صدوره من بعد مثل هذه الأحداث الفاصلة، على مدى لامبالاته بمعرفة بعض تاريخ من يعتبر انهم يشكلون خطرا على الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما. فهو، كما الصحافي الاستقصائي المذكور آنفا، لم يكلف نفسه- أو معاونيه- عناء السؤال عن ذلك " العالم" الذي آتي منه أولئك الذين يهددون أمن بلاده أرضا وشعبا. ولقد كشف هذا الخطاب عن حجم تخلف إدارته وإدارات سابقة عن إجراء أبحاث ودراسات مكتملة وموضوعية عن العالم الإسلامي واكتفائها بتبني الصورة النمطية الشائعة عن العرب والمسلمين.
إلا أن أهم العوامل التي تبقي على الصورة المشوهة عن الإسلام والعرب في الثقافة الشعبية الأميركية، حرص للوبي الصهيوني في أميركا على الإبقاء على هذه الصورة واستغلالها لصالح تأييد الرؤية الصهيونية للصراع العربي –الإسرائيلي واستقطاب الدعم المالي والمعنوي والعسكري لإسرائيل باعتبارها-" المخفر الأمامي الحامي للغرب في تلك الصحراء المتوحشة الحمقاء"-كما كتب المعلق في صحيفة نيويورك بوست رود دريهر. ففي الوقت الذي نجحت فيه الجهود الساعية إلى إزالة الكثير من رواسب العنصرية العرقية والصور النمطية للمجموعات العرقية والدينية الأخرى بدعوات رسمية من الإدارات الأميركية نتيجة ضغوطات وتحركات ناشطة لممثلي هذه المجموعات، ظل العرب والمسلمون الاستثناء عن هذه الجهود. فاستفردت هوليود بتشويه صورة المسلم والعربي تغذيها ماكينة إعلامية صهيونية امتد نفوذها في مختلف وسائل الإعلام الأميركية المرئي والمقروء والمسموع على حد سواء، ثابرت على تقديم صور مزيفة ومشوهة عن العرب والمسلمين بما يخدم أهدافها.
ويؤكد بول فندلي "إن التصورات الأميركية الخاطئة عن الإسلام هي في ناحية من النواحي نتاج الصراع العربي الإسرائيلي ". ويقول"أن من العوامل التي تبقي الصور المزيفة عن الإسلام حيّة،ذلك النشاط الحثيث الذي تبذله جماعة الضغط لصالح المساعدات الأميركية لإسرائيل، إذ تحرص هذه الجماعة، في مساعيها الناجحة لتعزيز المساعدات والهبات السنوية الضخمة التي تمنحها واشنطن لإسرائيل ، على الجزم بان إسرائيل تعيش حالة مواجهة دائمة مع أخطار جدية تتهدد أمنها مصدرها مجموعات "الإرهابيين المسلمين" الذين- كما يضيف فندلي- "يسهلون أحيانا دونما قصد حملات جماعات الضغط بتضمين تسميات منظماتهم مفردات مثل "الإسلامي" أو " الإسلام" أو " المسلم".
ويشبه جين بيرد أحد موظفي الخارجية الأميركية ورئيس مجلس المصالح القومية في واشنطن، صورة الإسلام ب" الزر الساخن" ويقول :" غالبا ما تستخدم هذه الصورة.( صورة المسلم الإرهابي). فهي تعزف على وتر الخوف، وتجيش العواطف. تتعهدها جماعة الضغط بعنايتها وتعمل على إشاعتها، لأنها تعلم أنها ستستقطب التأييد لمنح إسرائيل بلايين الدولارات من المساعدات غير المشروطة سنة بعد سنة. وفي سياق هذا الضغط، غالبا ما يكون شبح الإرهاب المدعوم من المسلمين هو الموضوع المتكرر. إذ يستخدم لتسويغ ممارسات الدولة اليهودية القاسية ضد الفلسطينيين، ذوي الغالبية المسلمة، ولتبرير اعتداءات إسرائيل العسكرية الدورية ضد لبنان، حيث تسود أيضا أكثرية مسلمة. وصورة الإرهاب هي الأساس الذي تستند إليه إسرائيل في مطالبتها بمساعدات أميركية منتظمة من الأسلحة المتطورة ومن المال لتعزيز دفاعاتها ضد هجوم محتمل بالصواريخ من جانب سوريا والعراق وإيران، وغيرها من الدول ذات الأغلبية الإسلامية". "هذا التنميط، يؤكد بيرد، هو الذي يشجع على اتخاذ القرارات الحكومية المنحازة لإسرائيل وتقديم الدعم الأميركي غير المشروط لها على مختلف الصعد السياسية والدبلوماسية والعسكرية....
ويربط ريتشارد كورتيس، محرر شؤون الشرق الأوسط في واشنطن ريبورت في عدد حزيران 2000 بين مصير الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بمآزق المسلمين الأميركيين بقوله" سيكون من الصعب اكثر فاكثر أن يكون المرء مسلما في الولايات المتحدة إلى أن تحل القضية الفلسطينية. فاللوبي الإسرائيلي بسبب نفوذه غير المعقول في وسائل الإعلام سيواصل تصوير كل العرب وكل المسلمين كإرهابيين ويجب تقييدهم واعتراضهم والسخرية منهم وحتى ترحيلهم من اجل أمن المجتمع غير الإسلامي".
ويلعب الإعلام الأميركي الدور الأكبر في ترسيخ الرؤية الصهيونية لصورة العربي والمسلم. فالترديد الببغائي في التقارير الإخبارية الأميركية لتعابير إسرائيل " القضاء على شبكة الإرهاب" وتدمير البنية التحتية الإرهابية والهجوم على الإرهابيين" في معرض تبريرها لاعتداءاتها أو قصفها أو حصارها أو كل ذلك معا ضد المدنيين في لبنان وفلسطين... واختيارها المفردات الإسرائيلية في قولها"الأراضي المتنازع عليها" بدلا من الأراضي المحتلة، و" الضواحي اليهودية" بدلا من المستوطنات اليهودية، و"الإرهابيون المسلمون" بدلا من الأصوليين أو المتطرفين، والتركيز على الضحايا المدنيين الإسرائيليين الذين يسقطون في أي عملية استشهادية "إرهابية"والاكتفاء بتعبير" حصد العنف حياة كذا شخص" لوصف المجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين..وغير ذلك من أمثلة كثيرة .. تبقي على صورة العربي والمسلم "الإرهابي" حية دوما في الفكر الشعبي الأميركي. وتتأثر التصورات الخاطئة حول الإسلام بشكل كبير بالدقائق القليلة المخصصة للأخبار المسائية على شاشات التلفزة التي تتضمن تقارير مجتزاءة عن أحداث عنيفة و"مروعة" تنقل مباشرة من مكان حصولها مترافقة مع عبارات مسلم إسلامي وإرهابي. ولا يزال الأميركيون يستعيدون حتى اليوم صور الرهائن في إيران ومشاهد أنصار الخميني يهتفون " الموت لأميركا". كما يذكرون تفجير مقر المارينز في بيروت ..وخطف الطائرة الأميركية عام 1985 في لبنان ...والتفجير الأول لمركز التجارة العالمي وتفجير الخبر في السعودية والسفينة كورك في اليمن. فتطابقت في فكرهم الصورة النمطية مع الواقع.
إلى جانب التقارير الإخبارية كان لدفق البرامج الوثائقية وبرامج الحوارات والتحليلات الني تربط بين الإسلام والإرهاب وتصف المجتمع المسلم بالمريض، الدور الحافز خلال العقود الثلاثة الأخيرة في تنامي حدة في المعاداة للعرب والمسلمين. ونذكر مثالا واحدا معبرا على ذلك هو الفيلم الوثائقي"الجهاد في أميركا: تحقيق عن نشاطات المتطرفين الإسلاميين في الولايات المتحدة" " الذي بثته عام 1994محطات التلفزة الأميركية كافة لمن سمي بخبير أميركي في الإرهاب ستيفن امرسون بعد نحو سنة من تفجير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993. في تركيزه على صورة مسلمين وعرب ينشدون الأناشيد عاليا ويصرخون الموت لأميركا وتأكيده في نص التعليق على" أن توسع نشاطات الأصوليين المسلمين في الولايات المتحدة فان التفجيرات في المستقبل كتفجير مبنى مركز التجارة العالمية ستكون حتمية.." ساهم امرسون في إضرام المزيد من المشاعر المعادية للمسلمين والعرب.
الاسلاموفوبيا
    لقد دفعت الصورة المزيفة عن الإسلام والعرب المجتمع الأميركي إلى التعصب الأعمى ضد المسلمين والعرب وصولا إلى الرهاب منهم، أو ما سمي بالاسلاموفوبيا، وصولا إلى العنف. وكانت الهستيريا ضد المسلمين والشرق أوسطيين التي أعقبت انفجار اوكلاهوما سيتي، وتوجيه أصابع الاتهام المباشر إلى" إرهابيين عرب ومسلمين من الشرق الأوسط" التعبير الأكثر دلالة على مدى التشويه الذي يوسم صورة العرب والمسلمين في الفكر الشعبي الأميركي. إذ لم يتردد أي أميركي في الإسراع باتهام العرب والمسلمين بارتكاب عملية التفجير واعتبارهم مذنبين " ...ولو ثبت في النهاية أن المجرم أميركي " أصيل". فبعد دقائق قليلة فقط على الانفجار ظهر " الخبير في شؤون الإرهاب" امرسون مجددا على شاشة السي إن إن ليؤكد من دون أي تردد أن الانفجار من صنع " الإرهابيين الإسلاميين". وسارعت إحدى كبريات محطات التلفزة إلى بث خبرا مفاده أن رجالا يلبسون الكوفيات العربية شوهدوا يفرون من موقع الحدث. وسارعت قوى الشرطة إلى اعتقال العديد من الأشخاص " ذوي الملامح الشرق أوسطية". وحدثت مواجهات عدائية أطلقت النار على بعض المساجد وتعرضت عائلة عراقية للهجوم. وبدا أن معظم الأميركيين من غير المسلمين والعرب مقتنعون بان الهجوم من عمل " أصوليين مسلمين غرباء تسللوا إلى أميركا" ليقوموا بتفجيرات كتفجير مبنى التجارة العالمي لسبب واحد هو كره هؤلاء المسلمين للغرب !.
كان هناك افتراض عام بان ما من مواطن أميركي يمكن أن يتسبب بمثل هذه الجريمة بحق مواطنيه. لذلك، وعلى الرغم من اعتقال الأميركي تيموثي ماكفاي وأدانته بارتكاب هذه الجريمة والتأكد من عدم وجود أي علاقة له بالمسلمين و العرب، لم يخمد الرعب الشعبي الأميركي من المسلمين والعرب. إذ تتالت البرامج الوثائقية والتقارير الإخبارية تارة من فلسطين وتارة من السودان أو اليمن أو كينيا أو أفغانستان تصور المسلمين والعرب منهمكين في التحضير لأعمال انتقامية ضد الولايات المتحدة. وجاء شريط وثائقي بثته شبكة ج ب اس
G P S في برنامج " فرونت لاين" عن المنشق السعودي أسامة بن لادن في بدايات العام 1999 يشدد فيه على أن أميركا هي عدو الإسلام الرئيسي ويدعو المسلمين إلى محاربتها والى " قتل الأميركيين أينما استطاعوا ومتى استطاعوا"، ليحي علنا وبقوة رعب الأميركيين من "خطر" المسلمين والعرب في الولايات المتحدة مما حولهم هدفا سهلا للاتهامات المباشرة والحروب والاعتداءات والمضايقات وجرائم الكراهية والحقد والافتراء على مختلف الصعد الرسمية والإعلامية والشعبية.. بل والفردية.
ونقلت صحيفة يو اس توداي في عددها في 16-8- 1999 حادثة وقعت في نيوارك في نيوجرسي دلت على ذلك. إذ ادعى شخص أميركي يدعى ريجينالد كوري تحت وطأة الحاجة إلى المال لشراء المخدرات انه مسلم، وسلم أمين صندوق أحد المصارف ورقة كتب فيها " بسم الله، في حوزتي قنبلة وأنا راغب في الاستشهاد في سبيل قضية الإسلام. ضع المال في الحقيبة ولا تكن بطلا". فما كان من أمين الصندوق إلا أن أطاعه بسرعة، ثم ما لبثت الخدعة أن كشفت اثر اعتقال كوري.
مواجهة الصورة النمطية: مسؤولية مشتركة
          " جهلنا للأخر وتجاهلنا لوجوده واعتبارنا له دوما صورة لحضارة غير متوافقة مع حضارتنا.. بالإضافة إلى دعمنا المطلق لإسرائيل جعلنا نحن الأميركيون شركاء في خلق عالم جعل عنف 11 أيلول محتملا ومتخيلا".
هذه الكلمات التي صرح بها الكاهن وليام سنكفورد من الكنيسة البروتستانتية الأميركية تعليقا على اعتداءات 11 أيلول والتي تعدد بوضوح لأسباب بقاء الصورة النمطية المشوهة عن المسلمين والعرب حية دوما في الفكر الشعبي الأميركي، تكشف في نفس الوقت عن إدراك بعض الأميركيين لأسباب ما يسمونه " كره المسلمين والعرب " لهم. ويروي الصحافي البريطاني روبرت فيسك في مقالة له في صحيفة "
Independent" بعنوان "Fear and Learning in America" في 17 نيسان 2002 بعد زيارة قام بها إلى أميركا عقب أحداث أيلول، انه وخلال انتقاله في مختلف الولايات لالقاء محاضرات، صدم بالرفض الأميركي الاستثنائي للسير وفق التوجه الرسمي وبالإدراك المتزايد لدى الأميركيين لما يحدث حولهم ولكونهم تعرضوا للخداع. كما صدمه أن يكون 80 في المائة من حضور محاضراته من الشباب ومن " الأميركيين الأميركيين" لا أصول شرق أوسطية لهم جاءوا ليطرحوا أسئلة حول" الحرب على الإرهاب " التي أعلنها رئيسهم وسبب الدعم المتواصل لكل ما يقوله أو يفعله حليف أميركا الشرق أوسطي الصغير إسرائيل. فهم أرادوا أن يسمعوا الجواب على عنوان محاضرته "11 أيلول اسألوا من قام بها ولا تسألوا لماذا". ويقول أنها كانت المرة الأولى التي يسأله أميركيون" كيف نجعل تقاريرنا الإعلامية حول الشرق الأوسط اكثر عدالة؟ أو كيف يمكننا أن نجعل حكومتنا تعكس آرائنا؟".
اليوم وبعد 11 أيلول بدأ الأميركيون يدركون اكثر فاكثر ارتباط زوال الصورة النمطية للمسلمين والعرب في الولايات المتحدة الأميركية بوجود سلام عادل في منطقة الشرق الأوسط يضع حدا لاعتداءات إسرائيل. كما أدركوا أن في أساس هذه الصورة جهلهم للإسلام وتجاهلهم لوجود المسلمين واعتبارهم لهم غرباء من حضارة بدائية معادية همها القضاء على حضارة الغرب المتقدمة. وأشارت تقارير كثيرة إلى اندفاع الأميركيين على شراء الكتب عن الإسلام. وظهر انفتاح بعض الوسائل الإعلامية على استضافة مسلمين والقاء محاضرات وعقد ندوات ومؤتمرات في الجامعات والكنائس . وبرزت على الصعيد الرسمي بوادر ولو خجولة للانفتاح على المسلمين والعرب مع زيارة الرئيس جورج بوش للمركز الإسلامي في واشنطن واعتذاره عن استخدامه لعبارة" الحرب الصليبية". وتعالت الدعوات للفصل بين الإسلام والإرهاب، والتمييز بين الإسلام الحقيقي وبين مدعي الإسلام الذين يشوهون صورته.
قد يتطلب النجاح في إزالة الصورة النمطية التي رسخت عبر عقود طويلة في الفكر الشعبي الأميركي عن المسلمين والعرب المقدار نفسه من هذه العقود. وهي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المسلمين والعرب حكومات وأفرادا بمقدار ما تقع على عاتق الأميركيين حكومة وأفرادا أيضا. يقول بنجامين فرانكلين " من الأباء المؤسسين لأميركا والذي قام بتجارب عدة في حقل الكهرباء انه و "من اجل تغيير عادات سكان بلد وإدخال عادات جديدة مغايرة وغير مألوفة، من الضروري ليس فقط القضاء على الأفكار المسبقة وتنوير جهلهم بل واقناعهم بان هذه التغييرات هي لمصلحتهم. وهو أمر لا يتحقق في يوم واحد".
وإذا كان بقاء الصورة النمطية وميل الإعلام إلى تشويه الحقائق عن الإسلام والمسلمين والعرب ناشئا بالدرجة الأولى عن الجهل ، فان أسوأ رد ممكن هو أن يلزم المسلمون الصمت. فإذا لم نواجه المفاهيم الخاطئة والأفكار المنمطة والأكاذيب بما يعترضها فمن المحتم أن تواصل مسارها المدمر. وهو أمر يلقي بمسؤولية كبيرة على المسلمين والعرب أنفسهم من أصحاب الأقلام والعدسات والآراء أساسا ليجدوا السبيل الافضل لمخاطبة الرأي العام الغربي عموما والاميركي بخاصة وتقديم الاسلام من كل جوانبه المشرقة لاغلاق الباب امام محاولة حشره في خانة العنف والارهاب.
ولا بد أيضا من تكوين لوبي عربي له نفوذه في القرار السياسي الأميركي. وهو أمر قد يكون الوصول إليه اسهل من الوصول إلى الإعلام الأميركي والسينما الأميركية. وقد أظهرت الانتخابات الأميركية الأخيرة إمكانية بعد تأثير الصوت العربي والمسلم وشكلت بداية مرحلة في تاريخ مشاركتهم في العملية السياسية. لكن المسؤولية ليست مسؤولية لوبي عربي مسلم في الداخل الأميركي فقط. إذ لا بد من حشد طاقات العالم العربي والمسلم جماعات وأفراد لتغيير صورة المسلمين والعرب في الفكر الشعبي والرسمي الأميركي على حد سواء وبالتالي وضع حد لسعي الصهيونية إلى تشويه هذه الصورة.
في إحدى صالات ناد كوميدي ستور في لوس انجليس، مسرحية لكوميديين أميركيين من اصل عربي بدأ العمل بها بعد 11 أيلول . وهي عرض هزلي يقول مؤدوه انه يهدف إلى تحطيم بعض الأفكار النمطية بالحديث عنها بأسلوب ساخر. في مشهد من هذه المسرحية، يسأل احمد :"هل من عرب ومسلمون في الصالة؟ هيا ارفعوا أيديكم. ارموا حجرا. احرقوا علما؟
قالت أميركية حضرت المسرحية لمجلة نيوزويك:" شكرا على هذا العرض. لم اكن اعرف أن بإمكان العرب أن يكونوا طريفين !!

ها هي فكرة نمطية، ولو ساذجة تتحطم. فربما كانت تلك الأميركية تتوقع أن يفجروا المكان!.

 

العرب "المتأمركون"؟ .

         كثيرة هي المقالات التي يكتبها العرب " المتأمركون. أعني الذين حصلوا على الجنسية الأميركية؛ إلا أن أصولهم العرقية العربية حالت أن يصبحوا جزءاً من نسيج الشعب الأميركي ذي العرق الأبيض، ولم يكن خافياً عليهم التاريخ الأسود لأميركا في التفرقة العنصرية والعرقية، لذلك نجد هؤلاء العرب "المتأمركين" يسعون حثيثاً وبصورة مستمرة وفجة لإثبات "تأمركهم" وإخلاصهم للعم سام وبراءتهم من "عروبتهم"، ويحاولون استجداء رضا الأميركيين بكل الطرق والوسائل على حساب أصولهم العربية، لذا فإنهم يملكون قرون استشعار ذات حساسية عالية تدفعهم دائماً إلى "شم" رائحة التوجهات الأميركية ضد العرب، فيسارعون بكل همة وتحفز لإثبات "تأمركهم"، إما بالتطوع للعمل في وظيفة "مشعللاتي" يعمل على شحذ همة الإدارة الأميركية، ويساعد على فتح شهية كراهيتها للعرب، ويحثها على انتهاز الفرصة السانحة لاتخاذ موقف معادٍ لدول عربية بعينها، وإما ببذل الجهد والفكر للقيام بدور "العامل المساعد" للعناصر الأخرى الداخلة في بوتقة المختبر الذي يقوم بالتحضيرات اللازمة للتمهيد لعدوان أميركي قادم لا محالة، وربما في أحسن الحالات يتخذ المتأمرك مواقف"المبشرين" بالخير الأميركي الآتي وإن كان تحت ظلال الرماح

وفي هذه الأحوال كلها تظل "ماما أميركا" بالنسبة لهم على حق دائماً، وعلى صواب، لا يأتيها الباطل من بين يديها، وتمتلك رؤية مستقبلية لا تشوبها شائبه. ومن الغريب أن هذا "التأمرك" حكر على العرب فقط، سواء كانوا يعيشون داخل الولايات المتحدة الأميركية أو خارجها، وكذلك حال العرب "الأوروبيين"، فلا يوجد يهودي أو أفريقي أو إيراني "متأمرك" أو "مُؤَرب" يسخر طاقاته وقدراته للدفاع عن أميركا في الظروف كلها "ظالمة أو مظلومة"، ويتخذ موقف العداء من أصوله العرقية.
لماذا أصبح الانبطاح والتسليم لكل ما هو أميركي سمة ينفرد بها "العرب المتأمركون"؟ ولماذا ينفرد هؤلاء العرب بالتطوع لمساندة الظلم الأميركي ولا يحاولون رده عن ظلمه رغم أنهم يتشدقون دائماً بحرية الكلمة والرأي والتعبير التي يتمتعون بها؟ وإلى متى سيظل هؤلاء يشعرون بحاجتهم دون غيرهم إلى إرضاء العم سام؟ ولماذا لم يحاول هؤلاء أن يقوموا بدور غير مباشر في تجسير الفجوة بين المصالح الأميركية والقضايا العربية؟
أسئلة كثيرة وغيرها سنحاول أن نطرحها للنقاش قبل أن "يداهمنا" الوقت مثلما يقولون في إحدى القنوات الإخبارية العربية الشهيرة.
على مدى الأشهر الماضية كانت ولا تزال الصحف والدوريات الأجنبية والعربية حبلى بمقالات وآراء كتبها عرب "متأمركون"، تركزت معظمها على فكرتين أساسيتين:
الفكرة الأولى، تنذر سوريا بالعواقب الوخيمة والويل والثبور وعظائم الأمور لعدم التزامها بالأوامر الأميركية، وتحمل في ثناياها العقاب العسكري الذي ينتظر سوريا، ويؤكد أصحاب هذا التوجه أنهم حصلوا على معلومات سرية من داخل أروقة الإدارة الأميركية عما ينتظر سوريا من حرب لن تبقي ولن تذر، يتغير خلالها النظام الحاكم، في إشارة خفية إلى أن النموذج العراقي ليس ببعيد، ويحثون سوريا حكومة وشعباً على ضرورة الاستجابة السريعة والفورية لإبداء الندم وإعلان التوبة عن عصيان الإمبراطورية الأميركية العظمى.
أما الفكرة الثانية التي يطرحها العرب "المتأمركون"، فتقوم على تبرير الأسباب وتأكيد الذرائع التي ستجبر الولايات المتحدة، وليس إسرائيل، على مهاجمة سوريا وإزالة نظامها الحاكم بالقوة المسلحة، وبالطبع لا يفوتهم صب الزيت على النار بذكر بعض القصص عن فظائع النظام الحاكم، ومصادرة الحريات، والافتقاد إلى حقوق الإنسان، والدور السوري في دعم المتمردين العراقيين، ووجود ممثلين للمنظمات "الإرهابية" الفلسطينية وقواعد لتنظيم القاعدة... إلخ.
ويمكن ببساطة تصنيف هؤلاء الكتاب والخبراء العرب "المتأمركين"، الذين يقومون بهذه الأفعال، سواء داخل أميركا أو خارجها دون أن يطلب أحد منهم ذلك، من خلال معرفة أصولهم العربية ودوافعهم للتأمرك وحالتهم المادية ووظائفهم الحالية، فهم يندرجون في ثلاث فئات: الأولى، عرب مهاجرون حصلوا على تعليمهم العالي في الولايات المتحدة ويشغلون بعض المناصب الهامشية، لكنهم لم يشعروا حتى الآن باندماجهم في المجتمع الأميركي. والفئة الثانية، عرب لجأوا إلى ماما أميركا خشية تعرضهم للاضطهاد في دولهم إما بسبب آرائهم المتطرفة وإما لاتخاذهم مواقف معارضة لتوجهات حكوماتهم، لذا فهم في حاجة نفسية إلى من يشعرهم بالطمأنينة، ولن يتحقق ذلك سوى بالحصول على الرضا الكامل من العم سام، والطريق إلى هذا الرضا هو الدفاع المستميت عن مصالحه، والتبرؤ التام من الانتماء العربي.
أما الفئة الثالثة، فهم عرب يبحثون عن لقمة العيش في الجنة الأميركية، ولا فرق هنا بين من يشغل وظيفة مرموقة ومن يكد بيديه، فشعارهم الرئيسي جميعاً "الخدمة لمن يدفع أكثر"، وبالطبع لن يحصلوا على الثمن قبل تقديم الخدمة وتأكيد الإخلاص للإمبراطورية العظمى، ويجب أن يكون ذلك علنياً وواضحاً وليس فيه أي لبس أو غموض، حتى لا يكون هناك أدنى شك في إخلاصهم من جانب، ويقطعون الطريق على أي وشاية يقوم بها اللوبي الصهيوني أو غيره من "اللوبيات" من جانب آخر، وفي الوقت نفسه الحصول على عائد مضمون.
وهؤلاء جميعهم يؤدون عملاً لم يطلب منهم أن يمارسوه، ولكنها طريقتهم للحصول على هوية جديدة تؤمن لهم سبل العيش، لذلك لن نطلق عليهم صفات معظمها معروف على هذه الفئات، فنحن نرثي للحال التي وصلوا إليها من انبطاح تام وتسليم الأقدار للامبراطورية العظمى، ولن نطالبهم بالتخلي عن طموحاتهم المادية وأحلامهم الوردية في التمتع بالجنة الأميركية أو في محاولاتهم العودة للأوطان على دبابة أميركية ليتولوا الحكم وبسط النفوذ، ولكن لماذا يكون ذلك على حساب أصولهم العربية؟ أم أنهم شعروا أن العرب أصبحوا "ملطشة" العالم فلماذا لا يكون لهم نصيب فيها.
ربما يرد بعضهم بأنه لماذا يختلف هؤلاء العرب "المتأمركون" عن العرب الذين لا زالوا يعيشون في دولهم ويشعرون بغربة ويفتقدون إلى الهوية الوطنية التي تربطهم بأرضهم بعد أن باتوا ضيوفاً على الحكومات، ولماذا يشعر هؤلاء "المتأمركون" بأي رابطة بأصولهم العربية وهم أصلاً هاربون منها؟ ورغم مشروعية هذه الإجابات، إلا أنها غير مبررة لما يقوم به هؤلاء ضد أوطانهم لأن الذي يدفع الثمن دائماً هم الشعوب.
وللقضية جانب آخر، فالتبشير بالحرية الأميركية والتحرر الغربي، والتهديد باستخدام اليد العسكرية الطولى للإمبراطورية العظمى لتحقيق ذلك، أمران متناقضان، فلم يحدث على مر التاريخ بحقبه المختلفة أن نجحت ديمقراطية على فوهات المدافع، ولم تستطع أي إمبراطورية استعمارية عظمى أو صغرى من إقامة حكم ديمقراطي في مستعمراتها، بل إن الشعوب نفسها هي صاحبة الكلمة العليا واليد الطولى في تحقيق ذلك والأمثلة واضحة في اليابان وألمانيا والهند، حيث يرجع الفضل للتطور السياسي والنهضة الاقتصادية والتقدم العلمي في هذه الدول إلى الشعوب التي ثابرت واجتهدت وحاولت السعي نحو إقامة مستقبل أفضل، ومن المؤكد أن هناك خصائص وسمات وقيماً وعادات وثقافات وقدرات خاصة متغلغلة داخل مجتمعات هذه الدول جعلتها تتغلب على آلامها وتقف من عثرتها وتواجه مصيرها بكل جدية والتزام.
إذا كان تبرير الكتاب العرب "المتأمركين" بأنهم يحاولون تحذير الدول العربية المعرضة للغضب الأميركي ليتفادوا العواقب والتداعيات، فإن تبريرهم أقبح من ذنبهم الذي يرتكبونه، لأن واجبهم الوطني تجاه أهلهم وذويهم يدفعهم إلى استغلال مناخ الحرية المتوافر وأن يتخلوا عن ماديتهم وشوقهم للانتقام، ويسارعوا بالدفاع عنهم وشرح قضاياهم فهم الضحايا الحقيقون الذين سيدفعون ثمن الغضبة الأميركية، وإذا كانوا يشعرون بأن حديثهم وكتاباتهم لن تؤثر في طموحات المارد الأميركي، فليس أقل من ألا يشاركوا في الكارثة وأن يلتزموا فضيلة الصمت.
إن القراءة الواعية والمتأنية لما يكتبه هؤلاء "المتأمركون" ضد العرب، ومقارنتها بما يكتبه بعض الأميركيين المحايدين نسبياً لردع الإمبراطورية العظمى عن غيها، تجعلنا في مأزق، ولكن تغيير الحال من المحال

الاتحــاد / طارق سيف

«المتأمركون العرب»؟.. من هم؟
الليبراليون المتأمركون , د. أسامة عبد الرحمن
الليبراليون الجدد والمقاومة غير المتكافئة , نضال حمد
المتصهينون الجدد في العراق الجديد , نضال حمد