|
كانت بداية تعرفي على مجلة "الثقافة
النفسية المتخصصة" التي أصدرها الأستاذ الدكتور محمد أحمد النابلسي في
عام1993 ، ووجدت فيها شكلاً جديداً من المجلات التي تهدف إلى نشر
الثقافة النفسية لدى الجمهور المتخصص وغير المتخصص بقالب متنوع ومنفتح
على التخصصات النفسية المختلفة، و وجدت فيها باباً لنشر مشروع يهدف إلى
نشر المعرفة النفسية من مصدر ثقافي غير الف ا رنكوفوني والأنجلوساكسوني،
من ناحية ويعيد الاعتبار للأعمال المترجمة التي لم تكن تلقى الترحيب من
المجلات النفسية العربية وينظر إليها كنتاج ثانوي وتقيم على أنها "جهد
مشكور" مقارنة بالأعمال "المستنسخة" التي تنشر على أنها أعمال "أصيلة"
وتقيم كنتاج "إبداعي" مع أن كثير منها لايعدو كونه "توليف" يعيد صياغة
ما تم نقله ويصدر تحت أسماء غير أسماء أصحابها الحقيقيين.
تلقى رئيس التحرير م ا رسلاتي البريدية الأولى بصدر رحب واقترح أن أكون
ضمن هيئة تحرير المجلة لأسهم منذ عام 1994 ٕالى حين إعلان التوقف عن
النشر بكم من المساهمات المترجمة والتي تشعرني بالفخر كوني استطعت أن
أقدم نافذة استفاد منها كم من الباحثين على امتداد الوطن العربي
ومنحتني قيمة معنوية في ظل ظروف تاريخية أصبح العلم فيها تجارة تتم
قولبته وصياغته من متطفلين عليه وتتعامل معه وفق مبدأ "لانريد أن نعرف
إلا ما نعرفه مسبق اً" وأما ما لا نعرفه "فلا يجوز له أن يكون"، وتقولب
مفهوم العلم ضمن قالب "استاتيكي" وتصاغ نتائجه وكأنها مستقلة عن السياق
الذي تهدف إلى فهمه وتغييره.
كما أتاحت الثقافة النفسية لي التعرف على عدد كبير من الزملاء في كافة
أنحاء الوطن العربي جمعتني بهم بعض الأهداف المشتركة، واطلعت من خلالها
على أنماط مختلفة من الفهم والتفسير لعلم النفس والعلوم المرتبطة به
أثرت تجربتي وأحبطتني أحيان اً، وجعلتني أكثر مرونة في التعامل مع
الرؤى المختلفة والقليل من الرضى بالواقع المرير لعلم النفس الذي ما ا
زل يعاني من سوء فهم كبير ومن معاملته كنتاج خارج عن موضوعه الأساسي "الإنسان".
كانت لقاءاتي الشخصية اللاحقة مع رئيس التحرير فرصة تعمقت من خلالها
علاقتنا البريدية إلى صداقة فسحت المجال أوسع للانفتاح والمشا ركة
الوجدانية ولتبادل الآ ا رء المتعلقة بالاختصاص وغيره وأسهمت عبر كل
هذه السنوات في ترسيخ رؤية بدأت تجني ثمارها في تقارب التخصصات النفسية
المختلفة من الأجيال الجديدة التي أتناحت لها وسائل الاتصال الحديثة
الانفتاح على كثير من الوجوه لم تكن متاحة لنا حتى الأمس القريب.
ومنذ بداياتي في مجلة "الثقافة النفسية" تبنيتها كمشروع شخصي أيضاً
وألزمت نفسي "أخلاقي اً" بالاستم ا رر فيها ولم أوفر جهداً في الإسهام
فيها والتعريف بها ضمن ظروف لم تكن في حالتها الأمثل دائماً.
وعلى الرغم من انتشار المجلة في سوريا إلا أنها عانت من سياسة التوزيع
التي اتبعها الناشر في ذلك الوقت. فقد تم حصر توزيعها بمكتبة وحيدة في
دمشق مما جعل الحصول عليها دائماً وبشكل مستمر صعباً وعدم تمكن طيف
واسع من المهتمين السوريين من الحصول عليها ناهيك عن مشكلة التكلفة
التي كانت تتجاوز في ذلك الوقت القدرة الش ا رئية لشريحة واسعة من
المهتمين. وقد حاولنا م ا ر ا رً حل هذه المشكلة بطرق عدة إلا أن
النتائج لم تكن باعثة على الرضى دائماً، فقد تحمل رئيس التحرير في بعض
الأحيان تكلفة إيصال المجلة لعدد من المهتمين وكذلك أسهمت بدوري في ذلك،
إلا أن هذا لم يكن سوى حلاً مؤقتاً دافعه الطموح في المشاركة والسعي
لترسيخ اتجاه من المعرفة لم يتبلور كثي ا رً، مع الإد ا رك المسبق أن
أية مجلة من هذا النوع لن يتاح لها الاستم ا رر بهذا الشكل إلا إذا تم
تبنيها مالياً من جهات "علمية غير ربحية وغير سياسية" لأن مثل هذه
الأعمال
تتجاوز قد ا رت الأف ا رد منفردين وتفوق طموحاتهم "المشحونة بالنوايا
الطيبة".
وعلى أية حال لم تكن هذه
التجربة هي الأولى من نوعها في الوطن العربي التي تخبو، فقد سبقتها
تجارب عديدة، واستم ا رر المجلة طوال هذه الفترة هو ما يميزها عن غيرها
من التجارب السابقة لكنها بالتأكيد من أشد التجارب المؤسفة هنا، إذ
تتوقف المجلة عن الصدور بعد كل تلك السنوات مما يجعل الم ا رهنة في
المستقبل على "الطموح للاستم ا ررية" صعباً.
ومع الانتشار الواسع لوسائل الاتصال الإليكترونية أصبح الحصول على
المعلومة أكثر سهولة وأقل تكلفة. فبدلاً من أن يذهب القارئ لش ا رء
المعلومة أصبحت المعلومة تأتي إليه بسهولة دون عناء مما أسهم في ت ا
رجع الاهتمام بالحصول على المعلومات الورقية إلى درجة كبيرة ومع ذلك
تظل للنشر الورقي أهمية من الصعب الاستغناء عنها. ناهيك عن أن للنشر
الورقي هوية واضحة ومحددة في حين أن النشر الإليكتروني العربي ما ا زل
في طور الطفولة الأولى تعامل فيه المنشو ا رت كلها على المستوى نفسه
تقريباً، فنجد الخلط الكبير بين المعلومات الأولية والثانوية، وبين
الخواطر والأفكار والمعلومات والحقائق والتأملات والخ ا رفات، وبين
المتخصص وغير المتخصص، وبين العلمية والنجومية وغيرها مما يربك الباحث
المتخصص ناهيك عن القارئ العادي. ومع ذلك فإن بعض التجارب ال ا رئدة في
هذا المجال تستحق التقدير ك "الشبكة العربية للعلوم النفسية" التي
أسهمت إلى حد كبير في سد ثغرة في التواصل عجزت الجامعات العربية في ظل
تخلفها ال ا رهن عن سدها. ومن الممكن هنا التفكير باستم ا ررية "الثقافة
النفسية المتخصصة" كمنشور إليكتروني إما ضمن إصدا ا رت الشبكة العربية
أو بصورة مستقلة، الأمر الذي لايؤدي إلى تضخم التكلفة المادية للنشر
الورقي وما يرتبط به من تكاليف إضافية من ناحية، ومن ناحية أخرى لايقود
إلى "إطلاق رصاصة الرحمة" على مشروع طموح، لم يجد من يأخذ به كمشروع
علمي-ثقافي قابل للتطور والاستثمار في أهم مجال من مجالات العملية
التنموية "الإنسان"
أ.د . سامر
جميل رضوان |